دكتور عبد العزيز الدوري

25

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

ثم ترجع روايات الشعوبية إلى الأمين وتطلق لنفسها العنان ، إنه الخليفة الثاني ( بعد أبي العباس ) من أبوين عربيين ، وأولهما من أبوين هاشميين . والأمين جعلته الظروف ، وصار بعد ذلك أمل الكتلة العربية في البلاد ورمز آمالها وكفى بذلك سبة . ونكبة الأمين فتحت لهم الباب . لقد صورته الروايات خليفة متفسخا لا يفهم إلا الأنس والطرب ، ولا يقدر مسؤولية ، ولا يعرف غير الجواري وشرب الخمر مع كثير من الشذوذ الجنسي وغيره - يهزم جيشه فلا يعبأ ، ويأسف لأنّ غلامه كوثرا صاد سمكة في البركة وهو لم يصد ، ويعمل الحراقات على أشكال الحيوانات ليتنزه في دجلة إرضاء لنزواته . ويتخبط في سلسلة أخطاء ، بل هو بذاته مجموعة أخطاء ونقائص قلّ أن يتهكم الزمن إلى درجة أن يجود بأهزل منها . ألم تجتمع نسوة من عالم الغيب حول أمه عند ولاته فتتنبأ له بالغدر وقصر العمر والتقصير والتخليط ؟ ألم يندم الخليفة على جعله وليا لعهده لأنه ينغمس في الملاذ والشهوات ، ويستمع إلى رأي النساء ، إضافة إلى ضيق صدره وسوء تدبيره ؟ نعم جمع كل ذلك حين كان عمره خمس سنوات وست حين عهد له ! ألم ينشأ دون ثقافة ؟ هذا ما تحاول الروايات تقديمه بحروف بارزة حتى ليقول ابن الأثير بأنه لم يجد للأمين شيئا يستحسنه فيذكره . هل ينسجم ما ذكرته الروايات مع ما نراه في روايات عابرة من أنّ الأمين كان ينظم جيوشه بنفسه ، وأنه كان أحيانا يسهر الليالي في أمور الدولة ، وأنه لم يبدأ الحرب مع أخيه إلا بعد مراسلات دبلوماسية طويلة ؟ وهل يوصف بقلة الثقافة من يهذبه أمثال الكسائي والأصمعي ومن يثني الأصمعي على ذكائه وتهذيبه ؟ وهل يوصف بالغدر من يرفض تهديد أخيه بولديه الموجودين في بغداد مع أنهما يصلحان لأن يكونا خير رهينة ؟ لقد أطلنا لترى إلى أي درجة من التشويه والعبث تعرّض تاريخ العرب . وجاء المأمون ابن أخت الفرس ، ففرحوا به وأبقوه في مرو ، وعادت آمالهم جياشة ، فرفعوا ذكره حتى صار مثل العلم والحلم والعقل والثقافة والتدبير . فلما انقلب على مرو وعلى بني سهل وعاد إلى بغداد ، عادوا يهدّون ما بنوا ، فتكونت لنا صورة غريبة عنه هي كالبرج الشامخ وليس في داخله إلا رماد . أمّا الحركة العلمية الرائعة في العصر العباسي ، ولا سيما حركة الترجمة فلم تكن حسب تلك الروايات إلا بسبب معدة المنصور واعتقاد المأمون بالرؤيا . هكذا تريد الروايات ! لننس التطور الحضاري والمناقشات الدينية بين المسلمين وغيرهم ، وحاجة العرب إلى العلوم العملية والعلوم الفلسفية ، وحاجتهم إلى الفلك لصلته ببعض الأمور الدينية ، وظهور حركة التدوين وإنشاء بيت الحكمة . نعم لننس هذا ولنقتصر بمشيئة الروايات على معدة المنصور ورؤيا المأمون .